فخر الدين الرازي

132

المطالب العالية من العلم الإلهي

الأول كان إثبات كون العبد موجدا بالدلائل السمعية ، إثباتا للأصل بالفرع وإنه يوجب الدور . وإن كان الثاني ، فحينئذ لا يلزم من القدح في كون العبد موجدا ، تعذر الاستدلال بالآيات والأحاديث . فإن قالوا : مقصودنا من ذكر الآيات والأحاديث في بيان كون العبد موجدا : ليس هو إثبات ذلك في نفس الأمر ، بل مقصودنا : إلزام الخصم . وذلك لأن المجبرة لما كانوا معترفين بأن القرآن حجة . فإذا ثبت أن القرآن يدل على كون العبد موجدا لأفعال نفسه ، فقد حصل الإلزام . فنقول : فاقبلوا منّا مثله . فإن المعتزلة لما سلّموا أن القرآن حجة ، ثم دل القرآن على أن موجد أفعال العباد هو اللّه تعالى . فحينئذ يحصل الإلزام والإفحام . فثبت : أن ما ألزموه علينا ، لازم عليهم . وبالله التوفيق البحث الثالث في أن القرآن هل يصير مطعونا فيه بسبب ما فيه من الآيات الدالة تارة على الجبر ، وأخرى على القدر ؟ قالوا : إن الجبرية تمسكوا بآيات كثيرة ، قوية الدلالة على الجبر . والقدرية أيضا تمسكوا بآيات كثيرة ، قوية الدلالة على القدر . فترى كل واحد من هذين الخصمين ، إذا حاول الجواب عن دلائل خصمه ، فإنه يحتاج إلى تأويلات مستكرهة ، ووجوه متعسفة . ولا يليق بالحكيم أن يتكلم بكلام ، ويريد به تلك المعاني . فعلمنا منهم أن القرآن مشتمل على التناقض . ثم الذاكرون لهذا السؤال فريقان . منهم من ينكر نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - فيستدل بهذه الشبهة على قوله ، ومنهم من يقر بنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام . وحينئذ يستدل بهذه الآيات المتعارضة على أن القرآن قد دخله التغيير والتحريف ، وأنه ما بقي كما أنزله اللّه . فإن من المحال أن يقول الحكيم كتابا يشتمل على هذا الحد من التناقض .